فكيدوني جميعًا !
المقدمة
وقف هود بين قومه ثابت الجأش، يدعوهم إلى عبادة الله الواحد، لكن كعادة الحمقى لم يجد منهم إلا السُّخرية والاستهزاء، قالوا عنه: " أصابه عقاب آلهتنا، لقد جُنّ الرجل!"، وَهَدَّدُوهُ بالفضيحة والإيذاء، وتوعدوه أن يبطشوا به جميعًا.
لكن هودًا لم تَهتز له شعرة، ولم يخشَ ذلك الوعيد بالبطش والتنكيل، بل فاجأهم بردٍّ سيبقى منارًا ويقينًا نبويًّا إلى قيام السَّاعة، نادى بأعلى صوت: (فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ)، هل استوعبتَ ما يقوله هود؟! إنَّه يخاطب جموعًا غفيرة من الحمقى وأهل الحقد وشديدي البطش بخطاب الاستعلاء والتَّحدي بعد عنادهم وكبريائهم.
يقول لهم: هلُم اجتمعوا وأروني ما أنتم فاعلون، ولا تنتظرون..!
تُرى من أين أتى هذا الرجل الضعيف الوحيد بجرعة الشجاعة البالغة تلك؟
لقد أفصح هود عليه السلام عن سر تلك الثِّقة المطلقة فقال: (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ۚ مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)، كلمات رجل يعرف أن القوَّة كلها لله، وأن المخلوقات مَهْمَا عظُمت فهي أضعف من أن تمس مؤمنًا يثق في ربه.
سلاح المؤمن في مواجهة الحياة
هذه الآية ليست قصة قديمة فحسب، بل هي سلاح المؤمن اليومي.
• الموظف الذي يخشى أن يطرده المدير من عمله يطمئن سيبيت مطمئنًا هادئًا يردد (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ۚ مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)
• الإنسان المظلوم المهدد في حياته بالخوف وقطع الأرزاق وزوال النعمة سيبرد قلبه وتهدأ نفسه وهو يردد (فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ۚ مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)
يقول النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس وهو يومئذٍ فتى ربيع:
«...إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ»
ما أعظم وأقوى هذا الغرس وأثبته! إنه يجعل قلب المؤمن حصنًا لا تُزعزعه قوة الأرض مهما اجتمعت.
معنى التوكل الحق
التوكل ليس تواكلًا ولا كسلاً، بل هو الجمع بين:
1- الأخذ بالأسباب: تعمل وتجتهد وتبذل وسعك.
2- الثقة بالله: تدرك أن النتائج بيد الله، وأنه لا ينقص من رزقك أحد، ولا يزيد في عمرك بشر.
التوكل بهذا المعنى يحرر القلب من الخوف والقلق، ويزرع الطمأنينة مهما اشتدت الظروف.
الواثقون بربهم.
• النبي صلى الله عليه وسلم في الغار: حين قال أبو بكر "لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا"، قال النبي بكل عزيمة وثقة: "لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا". فأيُّ ثقة أعظم من هذه؟!
• موسى عليه السلام عند البحر: حين قال قومه "إنا لمدركون"، قال: "كلا إن معي ربي سيهدين".
• الموظف الصادق: قد يُطرد لأنه لم يرضَ أن يغش، لكنه يعلم أن الرزق من الله، فيرزقه من حيث لا يحتسب.
• التاجر الأمين: قد يخسر صفقة؛ لأنه رفض الحرام، لكنه يثق أن الله سيبارك له في رزق أنقى وأصفى.
ثمرات الثقة في شخصية النَّاشئ:
1- الطمأنينة الداخلية: لا يعيش في قلق دائم من المستقبل.
2- الثبات أمام المواقف: لا يخاف من ضغط الأقران أو تهديد الآخرين.
3- الحرية الحقيقية: لا يُباع ولا يُشترى، لأن قلبه معلق بالله لا بالناس.
4- الشجاعة: يُقدم على الخير بلا تردد، لأنه يعلم أن الله ناصره.
كيف نغرس هذه الثقة في حياتنا؟
لن تجد ممن حولك في تلك الحياة برُمَّتها من لديه القدرة على إزاحة همومك وأحزانك وعقباتك، لكننا نجد الله تعالى قد أزاح الصَّخرة عن أصحاب الغار في لحظة لجوءٍ وصدقٍ، ولن تجد في هذه الحياة أيضًا مَنْ له القدرة على إخراجك من ورْطَاتك وشِعَابِ مَتَاهَتِكَ، لكننا نجد الله تعالى أخرج يوسف من غياهب الجُبِّ ومن قاع السجون إلى كرسي العزَّة والكرامة.
إنَّ نسبة اليقين في حياة المؤمن تشبه نسبة الحديد في الدم؛ فكما أنَّ نقص الحديد يُورِث الجسدَ ضعفًا ووهنًا، فإنَّ نقص اليقين يُورِث النفس اضطرابًا وقلقًا؛ فإذا خفَتَ نورُ اليقين في قلب المؤمن اضطربت تصرّفاته، وبدأ شعور الهبوط الحاد يتسلّل إلى جوانب حياته: هبوطٌ حاد في الإنجاز، وهبوطٌ حادٌّ في العلاقات، وهبوطٌ حادٌّ في الطمأنينة… حتى تتسلّل الفوضى والعشوائية إلى أركان حياته شيئًا فشيئًا.
هذا المنسوب الذهبي في نفسيتك لن تحافظ عليه إلا ببعض أمور:
• بالذكر والدعاء : فذكر ثمرة الإيمان بالله تعالى،(الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ).
• بالعيش مع المواقف النبوية الواثقة: فجميع الأنبياء مدارس في الثقة واليقين.
• بتجارب عملية صغيرة: كأن يراقب الإنسان سعيه وثمرة سعيه بثقته بربه.
• بعدم الخوف من الفقد: فمن وثق بالله لا يخشى على رزق ولا منصب ولا مكانة.
وأخيرًا...
أيها الأبناء، إن الثقة بالله ليست مجرد كلمات نرددها، بل هي حياة نعيشها. حين تقول "توكلت على الله"، فأنت تعلن أن قلبك أقوى من تهديد الناس، وأنك لا ترى قوة إلا قوة الله، ولا رزق إلا من عنده، ولا نفع ولا ضر إلا بإذنه.
• قولوا كما قال هود عليه السلام لقومه:
"﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ۚ مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾
فالمؤمن الحق لا ينهزم أبدًا، لأنه مستند إلى ركن شديد، إلى ربٍ عظيم، إلى الله الواحد القهار.




