في الحركة بركة
قصة تتكرر.
بدأت مشكلة باسم ابن الثامنة عشرة عندما تأخر والده في العمل، ولم يستطع هذه المرة أن يرافق الأسرة لقضاء حاجتها من السوق، فاتصل بأمِّ باسمٍ وأخبرها: "سيأتي ابن أحد زملائي ليأخذكم إلى السوق، وكذلك يذهب معكم إلى طبيب الأسنان لمعالجة سارة.
وصلت سيارة بيضاء كبيرة أمام الباب، فخرج باسلُ ليتفاجأ بأنَّ من في السيارة هو زميله طارق الذي يدرس معه في المدرسة نفسها بل ويرافقه في فصل واحد.
في البداية كان باسم فرحًا بوجود زميله، لكنه بعد دقائق بدأ يشعر بغصَّة في قلبه، لسان حاله يقول: كيف يقود طارق السيارة بهذه الاحترافية وهو في مثل سني؟! كيف عرف الطريق إلى السوق دون تردد؟!
وصلوا إلى السوق، وإذا بطارق يساوم البائعين بذكاء، يختار الخضروات بحذر، يزن الفاكهة بدقة، يتفقد جودة البضائع. أما باسم فكان دوره مقتصرًا على حمل ورقة في يده اليمنى أعطتها له والدته، مكتوبًا فيها: (طماطم ذ خضار ذ خيار ذ خبز ...)، وفي يده اليُسرى بطاقة البنك للدفع بعد الشراء!
ثم توجهوا إلى عيادة الأسنان، فبدأ طارق في الإجراءات بكل ثقة؛ حَجَزَ الدَّور، تكلَّمَ مع الطبيبة بكل لباقة، وشرح حال أخت باسم الصغيرة دون ارتباك.
عادوا إلى البيت، وباسم غارق في حزنه، جلس يفكر طوال الليل: كيف امتلك طارق كل هذه المهارات بينما يجلس معي في الفصل ويلعب معي في المدرسة، ونتصفح الكتب في المكتبة؟
هنا بدأ سؤال باسم الكبير: من أين تأتي المهارات؟ ولماذا ينجح البعض فيما يقف غيرهم مكانه؟
كان هذا سؤال باسم، وهو نفسه السؤال الذي يتساءله كل شخص انتظر حتى يكبر ليفعل شيئًا ما فتفاجأ....!
في الحركة بركة.
إن سرّ قوة هذا الكون في حركته الدَّائمة، تأمَّل مثلًا: النَّهر وجماله وروعة حضوره، أنه دائم الحركة لو بقي النهر ساكنًا لتعفّن ماؤه، ولما عاش فيه زرع ولا سمك.
هكذا هي حياة الإنسان؛ الحركة والعمل سرّ النمو، والكسل سرّ الفناء.
وقال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾.
استخراج كنزك.
يولد كل إنسان ومعه كنز عظيم: قد يكون موهبة في الحفظ، براعة في العلاقات، قدرة على الخطابة أو مهارة في الإصلاح، لكن هذا الكنز يظلّ مدفونًا حتى نحرك أيدينا لاستخراجه بالشَّجاعة على التجربة والمبادرة.
يولد الإنسان ضعيفًا، ولن يظلَّ ضعيفًا بوجود كنزه الخاص، فمن استخرج كنزه واستثمره فقد بنى لنفسه حياة ثانية بعد موته، لكن من النَّاس من يموت فيُدفن ويُدفن معه كنزه.
صناعة الأبطال
الأبطال لم يولدوا أبطالًا، لكنهم جرّبوا وتدرّبوا منذ الصغر، ولم يهابوا الصِّعاب ويستسلموا لطفولتهم وضعفهم:
٪ أسامة بن زيد رضي الله عنه:
قاد جيشًا بثقة وعزيمة فيه كبار الصحابة وهو لم يبلغ الثامنة عشرة بمباركة قائد المسلمين الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم.
علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
خَرَجَ يَومَ الخَندَقِ عمرُو بنُ عبدِ وُدٍّ وهو فارس قريش، فنادَى : مَن يُبارِزُ ؟ فقامَ عليٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في مواجهته، فقالَ له النبي صلى الله عليه وسلم: إنَّه عمرٌو، اجلِسْ!
ونادَى عمرٌو : ألا رَجُلٌ ، أينَ جَنَّتُكُمُ التى تَزعُمونَ أنَّه مَن قُتِلَ مِنكُم دَخَلَها ؟ أفَلا يَبرُزُ إلَيَّ رَجُل ؟
فقامَ عليٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ذ ثانية، فقالَ : أنا يا رسولَ اللَّهِ، فقالَ : اجلِسْ!
ثُمَّ نادَى الثَّالِثَةَ فقامَ عليٌّ فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ أنا، فقالَ : إنَّه عمرٌو ، قال: وإِن كان عَمرًا.
فأَذِنَ له رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فمَشَى إلَيه حَتَّى أتاه، وكان عليٌّ صبيًّا من صبيان المسلمين، فقالَ له عمرٌو: مَن أنتَ؟
قال: أنا عليٌّ .
قال : ابنُ عبدِ مَنافٍ ؟
فقالَ : أنا عليُّ بنُ أبى طالِبٍ.
فقالَ : غَيرُكُ مِن أعمامِكَ مَن هو أسَنُّ مِنكَ، فإِنِّى أكرَهُ أن أُهَريقَ دَمَ صبيٍّ .
فقالَ عليٌّ - رضي الله عنه - : لَكِنَى واللهِ ما أكرَهُ أن أُهَريقَ دَمَكَ.
فغَضبَ عمرو فنَزَلَ وسَلَّ سَيفَه كأنَهّ شُعلَةُ نارٍ ، ثُمَّ أقبَلَ نَحوَ عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مُغضبًا ، فنظر عليٌّ خلف عمرو وقال بذكاء: خرجت لأقاتل رجلًا لا رجلين، فالتفت عمرو خلفه، فضربه علي على رقبته فسقط مقتولًا، وثارَ النَّاس، وسَمِعَ رسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّكبيرَ، فعَرَفَ أن عَليًّا قَد قَتَلَه.
تأمل خبرة هذا الصبي، خبرة في الحوار خبرة في الحيلة، خبرة في التصويب.
خطوات صغيرة تغيّر المستقبل
يا بني وبنيّتي، لا تنتظروا المعجزات، بل جربوا، ابدءوا اليوم بخطوات آمنة:
- قل لأبيك: "دعني أذهب وحدي لأشتري حاجيات البيت".
- قولي لأمك: "دعيني أُعِدُّ الغداء بإشرافك".
- قل لزميلك: "دعنا نعود اليوم من طريق مختلفة".
هذه الخطوات الصغيرة تُكسبك خبرة، وتجعلك مستعدًا لمواقف أعظم حتَّى لو فشلت من مرة ومرتين وعشرة، لا تدع التجريب والعمل.
اقتل عدوك
أكبر عدو لك ليس صعوبة الدراسة ولا قلة الإمكانات، بل الكسل والتسويف، الكسل يهمس لك: "غدًا"، والتسويف يخدعك: "لستَ جاهزًا بعد". فإذا بالأيام تمضي والعمر ينقضي والكنز مدفون.
وأخيرًا...!
أيها الطالب الكريم، تأمَّل في قصة باسم وطارق: لم يختلفا في المدرسة، لكن الفرق كان في التجربة والممارسة.
اختر لنفسك: هل تريد أن تُدفن مع كنزك، أم تترك أثرًا خالدًا كالأبطال؟
تذكّر:
في الحركة بركة، وفي الكسل هلكة، ومن سار على الدَّرْبِ وصل.




