img
img
img
img

الأخبار والمقالات

img
Blog Image

اللعبة الأخيرة!

وهم‭ "‬الأخيرة‭"‬

هل‭ ‬سمعت‭ ‬يومًا‭ ‬تساؤلًا‭ ‬يدور‭ ‬بين‭ ‬أفراد‭ ‬العائلة‭ ‬حول‭ ‬ماذا‭ ‬سنطبخ‭ ‬اليوم‭ ‬للغداء؟‭ ‬

وبعد‭ ‬مشاورات‭ ‬كثيرة‭ ‬يستقر‭ ‬الأمر‭ ‬بالاستعداد‭ ‬للخروج‭ ‬إلى‭ ‬مطعم‭ ‬مشهور‭ ‬قد‭ ‬أعلن‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬سابق‭ ‬عن‭ ‬عروض‭ ‬الوجبات‭ ‬العائلية‭ ‬الشهيرة‭.‬

على‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر‭ ‬تتكدَّس‭ ‬الثلاجات‭ ‬والمبردات‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬بألوان‭ ‬كثيرة‭ ‬من‭ ‬الأطعمة‭ ‬والـمُغذِيَّات‭!‬

‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الأطفال‭ ...‬كل‭ ‬طفل‭ ‬تقريبًا‭ ‬قال‭ ‬يومًا‭ ‬لوالده‭ ‬في‭ ‬متجر‭ ‬الألعاب‭: "‬أريد‭ ‬هذه،‭ ‬وستكون‭ ‬آخر‭ ‬لعبة‭ ‬أشتريها‭".‬

لكن‭ ‬ما‭ ‬إن‭ ‬يحصل‭ ‬عليها‭ ‬حتى‭ ‬يملّ‭ ‬منها،‭ ‬وتولد‭ ‬في‭ ‬قلبه‭ ‬رغبة‭ ‬جديدة،‭ ‬وكأن‭ "‬الأخيرة‭" ‬لا‭ ‬تأتي‭ ‬أبدًا‭.‬

وتتكدس‭ ‬الألعاب‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬حتى‭ ‬تكفي‭ ‬حيًّا‭ ‬كاملًا‭ ‬من‭ ‬الأطفال،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬تكفِ‭ ‬طموح‭ ‬طفل‭ ‬واحد‭!‬

وهنا‭ ‬تتجلى‭ ‬حقيقة‭ ‬كبرى‭:‬‭ ‬رغبات‭ ‬الإنسان‭ ‬غير‭ ‬محدودة،‭ ‬بينما‭ ‬الموارد‭ ‬محدودة‭.‬

الرغبات‭ ‬اللامتناهية

النفس‭ ‬البشرية‭ ‬لا‭ ‬تشبع‭ ‬مهما‭ ‬نالت‭:‬

  • ‬يملك‭ ‬المرء‭ ‬مالًا‭ ‬فيريد‭ ‬أكثر‭.‬
  • ‬يقتني‭ ‬سيارة‭ ‬فيتمنى‭ ‬أفخم‭.‬
  • ‬يحصل‭ ‬على‭ ‬منصب‭ ‬فيطمح‭ ‬لأعلى‭.‬

وقد‭ ‬لخّص‭ ‬النبي‭ ‬‭ ‬هذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬بقوله‭:‬

‭(‬لو‭ ‬كان‭ ‬لابن‭ ‬آدم‭ ‬وادٍ‭ ‬من‭ ‬مالٍ‭ ‬لأحبَّ‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬له‭ ‬واديان،‭ ‬ولن‭ ‬يملأ‭ ‬فاه‭ ‬إلا‭ ‬التراب،‭ ‬ويتوب‭ ‬الله‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬تاب‭)‬،‭ ‬هذا‭ ‬الحديث‭ ‬ليس‭ ‬مجرّد‭ ‬موعظة،‭ ‬بل‭ ‬قانون‭ ‬نفسي‭ ‬واقتصادي؛‭ ‬الرغبات‭ ‬تتجدد‭ ‬بلا‭ ‬نهاية،‭ ‬ومن‭ ‬لم‭ ‬يضبطها‭ ‬بالرضا‭ ‬والتقوى،‭ ‬صار‭ ‬عبدًا‭ ‬لها‭.‬

الموارد‭ ‬المحدودة

في‭ ‬مقابل‭ ‬الرغبات‭ ‬اللامتناهية،‭ ‬هناك‭ ‬موارد‭ ‬محدودة‭:‬

  • ‬الأرض‭ ‬بمواردها‭ ‬الزراعية‭ ‬والمائية‭ ‬والمعادن‭ ‬محدودة‭.‬
  • ‬الطاقات‭ ‬البشرية‭ ‬والوقت‭ ‬والجهد‭ ‬طاقات‭ ‬محدودة‭.‬
  • ‬فرص‭ ‬الحياة‭ ‬نفسها‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تتكرر‭.‬

والعجيب‭ ‬أن‭ ‬ربع‭ ‬موارد‭ ‬الأرض‭ ‬هذه‭ ‬قد‭ ‬تكفي‭ ‬وتفيض‭ ‬لإشباع‭ ‬احتياجات‭ ‬الناس‭ ‬جميعًا،‭ ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬تكفي‭ ‬لإشباع‭ ‬رغبات‭ ‬إنسان‭ ‬واحد‭ ‬إذا‭ ‬أطلق‭ ‬لها‭ ‬العنان‭.‬

الموارد‭ ‬المحدودة‭ ‬حكمة‭ ‬إلهية

إن‭ ‬محدودية‭ ‬الموارد‭ ‬ليست‭ ‬نقصًا‭ ‬في‭ ‬الكون،‭ ‬بل‭ ‬حكمة‭ ‬إلهية‭ ‬دقيقة‭ ‬تحفظ‭ ‬التوازن‭ ‬وتدفع‭ ‬الإنسان‭ ‬إلى‭ ‬التفكير‭ ‬والسعي‭ ‬والعمل،‭ ‬فلو‭ ‬توافرت‭ ‬الخيرات‭ ‬بلا‭ ‬حدود،‭ ‬لفقد‭ ‬الناس‭ ‬معنى‭ ‬الاجتهاد،‭ ‬ولعمَّ‭ ‬الفساد‭ ‬في‭ ‬الأرض،‭ ‬وقد‭ ‬أشار‭ ‬القرآن‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬بقوله‭ ‬تعالى‭:‬

﴿وَلَوْ‭ ‬بَسَطَ‭ ‬اللَّهُ‭ ‬الرِّزْقَ‭ ‬لِعِبَادِهِ‭ ‬لَبَغَوْا‭ ‬فِي‭ ‬الْأَرْضِ‭ ‬وَلَكِن‭ ‬يُنَزِّلُ‭ ‬بِقَدَرٍ‭ ‬مَا‭ ‬يَشَاءُ﴾‭ ‬‭[‬الشورى‭: ‬27‭].‬

إنها‭ ‬دعوة‭ ‬لأن‭ ‬نُدرك‭ ‬أن‭ ‬الوعي‭ ‬بالاكتفاء،‭ ‬وحسن‭ ‬التدبير،‭ ‬واحترام‭ ‬الموارد،‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬أرقى‭ ‬مظاهر‭ ‬الفهم‭ ‬لحكمة‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬خلقه‭.‬

معادلة‭ ‬التوازن

إذاً‭: ‬كيف‭ ‬نوَفِّق‭ ‬بين‭ ‬رغبات‭ ‬غير‭ ‬محدودة‭ ‬وموارد‭ ‬محدودة؟

الجواب‭ ‬هو‭: ‬الرضا‭ ‬والقناعة‭ ‬والتكافل‭.‬

  • ‬الرضا‭: ‬أن‭ ‬تقول‭ ‬لنفسك‭ "‬يكفيني‭ ‬هذا‭ ‬القدر‭" ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تقول‭ "‬أريد‭ ‬أكثر‭".‬
  • ‬القناعة‭: ‬أن‭ ‬ترى‭ ‬النعمة‭ ‬في‭ ‬الموجود‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬المفقود‭.‬
  • ‬التكافل‭: ‬أن‭ ‬يُعاد‭ ‬توزيع‭ ‬الموارد‭ ‬بالزكاة‭ ‬والصدقة‭ ‬والوقف،‭ ‬فينتفع‭ ‬المجتمع‭ ‬كله‭.‬

تجارب‭ ‬من‭ ‬احترام‭ ‬الموارد

1. ‬عمر‭ ‬بن‭ ‬الخطاب‭ ‬يضرب‭ ‬لنا‭ ‬أروع‭ ‬الدروس‭ ‬في‭ ‬احترام‭ ‬الموارد،‭ ‬وينقذ‭ ‬المسلمين‭ ‬من‭ ‬كارثة‭ ‬حقيقية‭.‬

في‭ ‬غزوة‭ ‬تبوك‭ ‬أصاب‭ ‬الناس‭ ‬مجاعة‭ ‬وكادوا‭ ‬يهلكون،‭ ‬لدرجة‭ ‬أنهم‭ ‬استأذنوا‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬‭ ‬في‭ ‬ذبح‭ ‬إبلهم‭ ‬التي‭ ‬تحمل‭ ‬الماء‭ ‬والزاد؛‭ ‬فأذن‭ ‬الرسول‭ ‬‭ ‬لهم‭ ‬في‭ ‬ذبح‭ ‬بعضها‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يهلكوا‭ ‬ويموتوا‭ ‬جوعًا‭.‬

لكنَّ‭ ‬عمر‭ ‬أدرك‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬الرغبة‭ ‬غير‭ ‬محدودة،‭ ‬سيذبحون‭ ‬الآن‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يحتاجون‭ ‬وغدًا‭ ‬سيذبحون‭ ‬ما‭ ‬يحتاجون؛‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يجد‭ ‬الجيش‭ ‬ما‭ ‬يحملهم،‭ ‬فأشار‭ ‬على‭ ‬النبي‭ ‬بأن‭ ‬يجمع‭ ‬الناس‭ ‬كلُّهم‭ ‬ما‭ ‬معهم‭ ‬من‭ ‬طعام‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬قليلًا‭ ‬ويضعوه‭ ‬بين‭ ‬يدي‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬ويدعو‭ ‬عليه‭ ‬بالبركة،‭ ‬فأيَّد‭ ‬الرسول‭ ‬ذلك‭ ‬الرأي‭ ‬العبقري‭ ‬وفعل،‭ ‬واجتمع‭ ‬الناس‭ ‬يأخذون‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الطَّعام‭ ‬حتى‭ ‬ملئوا‭ ‬جميع‭ ‬أوانيهم‭ ‬وفاض‭ ‬الطَّعام‭.‬

2. ‬الاقتصاد‭ ‬الإسلامي

النظام‭ ‬البارع‭ ‬المتمثل‭ ‬في‭ ‬الزكاة‭ ‬ليس‭ ‬معجزة‭ ‬مالية‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬معادلة‭ ‬صحيحة‭: ‬كبح‭ ‬جماح‭ ‬الرغبات‭ = ‬توزيع‭ ‬عادل‭ ‬للموارد‭.‬

توازن‭ ‬اجتماعي‭ ‬واقتصادي‭ ‬دقيق،‭ ‬يدخل‭ ‬بحكمة‭ ‬ليقتطع‭ ‬جزءًا‭ ‬يسيرًا‭ ‬من‭ ‬فائض‭ ‬الغني،‭ ‬فيسدّ‭ ‬به‭ ‬معظم‭ ‬حاجات‭ ‬الفقير‭.‬

كذلك‭ ‬ليست‭ ‬حلاً‭ ‬طارئًا،‭ ‬بل‭ ‬نظام‭ ‬وعيٍ‭ ‬ربانيّ‭ ‬بإدارة‭ ‬تلك‭ ‬الموارد‭.‬

خُدعة‭ ‬الأخيرة

  • لا‭ ‬تنخدع‭ ‬بوعود‭ "‬الأخيرة‭"‬،‭ ‬اللعبة‭ ‬الأخيرة،‭ ‬السَّاعة‭ ‬الأخيرة،‭ ‬الخاتم‭ ‬الأخير،‭ ‬المنصب‭ ‬الأخير‭...‬
  • تعلّم‭ ‬أن‭ ‬تختار‭ ‬الأهم‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬رغباتك،‭ ‬فالموارد‭ (‬وقتًا‭ ‬وجهدًا‭ ‬ومالًا‭) ‬لا‭ ‬تكفي‭ ‬لكل‭ ‬شيء‭.‬
  • اجعل‭ ‬الرضا‭ ‬سيدك،‭ ‬فهو‭ ‬الذي‭ ‬يحوّل‭ ‬القليل‭ ‬إلى‭ ‬كثير‭.‬

وأخيرًا‭ ... ‬اللعبة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تنتهي

‭"‬اللعبة‭ ‬الأخيرة‭" ‬وهم‭ ‬يطارده‭ ‬الطفلة‭ ‬ويطارده‭ ‬الكبار‭ ‬أيضًا‭ ‬في‭ ‬صور‭ ‬المال‭ ‬والمناصب‭ ‬والشهوات‭.‬

فمن‭ ‬لم‭ ‬يضبط‭ ‬نفسه‭ ‬بالرضا‭ ‬والانضباط،‭ ‬عاش‭ ‬عبدًا‭ ‬لرغبات‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭.‬

أما‭ ‬من‭ ‬اكتفى‭ ‬بما‭ ‬قسم‭ ‬الله،‭ ‬وشارك‭ ‬غيره‭ ‬بالزكاة‭ ‬والصدقة،‭ ‬فقد‭ ‬ربح‭ "‬اللعبة‭ ‬الباقية‭": ‬الرضا‭ ‬والفلاح‭ ‬في‭ ‬الدنيا‭ ‬والآخرة‭.‬

img