مكافأة الهروب من الجاذبية
الحلم المخطوف:
لكل إنسان حلم يريد أن يحققه، لكن بينه وبين هذا الحلم قوة خفية تشده إلى الوراء، إنها ليست الجاذبية الأرضية التي درسناها في الفيزياء، بل جاذبية النفس والعادة والوضع المريح؛ جاذبية البطانية التي تمنعك من النهوض فجرًا للصلاة، جاذبية الثلاجة التي تستدرجك كل ساعة إلى أكل يتراكم بعضه فوق بعض، جاذبية الهاتف الذي يبتلع وقتك بلا رحمة، جاذبية ألعاب الفيديو التي تأخذ الساعات من عمرك وكأنها دقائق، وجاذبية السهر مع الأصدقاء التي تُذهب النوم والبركة.
هذه الجاذبيات ليست خيالات، بل حقائق يومية يعيشها كل شاب وفتاة. من استسلم لها أصبح أسيرًا، ومن هرب منها صار حرًا عظيمًا.
ما هي الجاذبية الخفية؟
• جاذبية العادة: أن تعتاد على الكسل حتى يصبح النشاطُ أمرًا صعبًا.
• جاذبية الطبع: أن تستسلم لما تميل إليه نفسك من لذة لحظية.
• جاذبية الوضع: أن ترضى بما أنت عليه، فلا تطمح للتغيير ولا للتقدم.
هذه الجاذبية تسرق أعمار الناس وهم لا يشعرون، تبدأ بدقيقة مؤجلة، ثم ساعة ضائعة، ثم أيام وشهور بلا إنجاز حيث يضيع العمر.
أبطال هربوا من الجاذبية:
ابن حزم الأندلسي:
شاب نشأ في بيئة مترفة تحيط بها جاذبيات كثيرة: جمال الأندلس وطبيعتها، وبريق السياسة والوزارة، ورفاهية النشأة بين الخدم والحشم، ومع ذلك قرر الهروب من تلك الجاذبيات، إلى مزاحمة الكتب ومجالس العلم، فأفنى عمره في التأليف والبحث والتعليم.
ورغم أنَّ ابن حزم قد فارق الدنيا منذ ما يقرب من ألف سنة إلا أنه ما زال إلى يومنا هذا أنيسَ الفقهاء والمحدثين والمؤرخين والأدباء، حاضرًا في قلوبهم قبل مجالسهم، مذكورًا بالخير على ألسنتهم.
الشيخ عبد الحميد بن باديس من علماء الجزائر:
عاش في زمنٍ كانت جاذبية الوضع (جاذبية الاستعمار) أقوى من أن تُقاوَم؛ جاذبية الاستسلام للأمر الواقع، والانصهار في ثقافة المحتل، والارتماء في سهولة العيش تحت ظِلّ قوةٍ تبدو أنها لا تُهزَم.
كثيرون من أفذاذ عصره جرفتهم تلك الجاذبية، لكن ابن باديس وقف في الجهة الأخرى تمامًا؛ أعرض عن إغراءات الاندماج، ورفض أن يعيش مُستسلِمًا، فربّى نفسه على العلم، وربّى أبناء وطنه على الوعي والهوية والمقاومة، فصار شعلةً للنهضة، وحارسًا للغة والدين والوطن، حاضرًا في ضمائر الأحرار إلى اليوم، مذكورًا بالبطولة في تاريخ الأعداء.
البطل الحقيقي
الأبطال ليسوا مخلوقات خارقة، بل بشر مثلنا، لكنهم امتلكوا قدرة الهروب من الجاذبية.
• حين كان زملاؤهم نائمين، كانوا هم يعملون.
• حين كان غيرهم غارقًا في اللهو، كانوا يتعلمون ويجرّبون.
• حين كان بعضهم يرضى بالقليل، كانوا يسعون للكثير.
ولهذا قال النبي : «اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا»، أي في وقت الصباح الذي يهرب فيه الإنسان من جاذبية السرير لينطلق إلى العمل.
كيف تهرب من الجاذبية؟
- قاوم جاذبية البطانية: استيقظ مبكرًا، ضع منبهًا بعيدًا عن سريرك، وافتح النافذة فورًا.
- قاوم جاذبية الثلاجة: اجعل طعامك مقسومًا في أوقات منتظمة، ولا تجعل الأكل وسيلة لقتل الفراغ.
- قاوم جاذبية الهاتف: حدّد أوقاتًا واضحة لاستخدامه، وأغلق الإنترنت عند المذاكرة أو القراءة.
- قاوم جاذبية اللهو: اجعلها جائزة بعد إنجاز، لا أساس يومك، دقائق محدودة لا أوقات مفتوحة ضائعة.
- قاوم جاذبية السَّهر: نم مبكرًا لتستيقظ مبكرًا، فالليل للراحة والنهار للعمل وأمور المعاش.
- اكتب أهدافك: ضع خطة يومية ولا تخجل أن تكتب مهامًا مثل: تناول الدواء، سقي الزرع، شراء أغراض، اتصال بزميل... حتى لا يسرقك الوقت.
- ابدأ بالخطوة الصغيرة: لا تنتظر عملًا عظيمًا، بل ابدأ من الأعمال البسيطة كتنظيم غرفتك أو مساعدة أهلك في أبسط المهام.
المكافأة العظمى
ما الذي يحدث عندما تهرب من هذه الجاذبيات؟
• يصبح يومك بيومين ويتسع لإنجاز أكبر.
• تكتشف نفسك ومواهبك.
• تسبق الآخرين الذين ضاعوا في عاداتهم.
• تشعر بالرضا والفخر، وتكسب ثقة بنفسك.
• تدخل دائرة "العظماء" الذين يُذكرون بعد موتهم بعملهم لا بكسلهم.
وأخيرًا...
أيها الأبناء الأعزاء، الجاذبية التي تمنعكم من النهوض والإنجاز هي عدوّكم الحقيقي، ليست البطانية ولا الهاتف ولا الثلاجة في ذاتها، بل الاستسلام لها.
فمن أراد أن ينجو من جاذبية الأرض ليصل إلى الفضاء، يحتاج إلى قوة دفع هائلة، كذلك أنتم، تحتاجون إلى عزيمة وإرادة لتقفزوا فوق جاذبية العادات والكسل.
وتذكروا أنَّ:
• من عاش أسير جاذبيته ضاع عمره بلا أثر.
• ومن هرب منها عاش حرًا، صانعًا للإنجاز، نافعًا لنفسه وأمته.




