img
img
img
img

الأخبار والمقالات

img
Blog Image

نعمةُ الأبوابِ والنوافذ

نعمة‭ ‬الحواجز‭:‬

تخيّل‭ ‬أنَّك‭ ‬تستيقظ‭ ‬من‭ ‬نومٍ‭ ‬هادئ‭ ‬ذات‭ ‬صباح،‭ ‬فتُسارع‭ ‬إلى‭ ‬نافذة‭ ‬البيت‭ ‬الصغيرة‭ ‬وتُخرج‭ ‬منها‭ ‬رأسك‭ ‬لثوانٍ‮…‬‭ ‬فتنهال‭ ‬عليك‭ ‬أصوات‭ ‬السيارات،‭ ‬ونداءات‭ ‬المارّة،‭ ‬وصرير‭ ‬العجلات،‭ ‬وضجيج‭ ‬المحلات‮…‬‭ ‬ثم‭ ‬تُغلق‭ ‬النافذة‭.‬

لحظة‭ ‬واحدة‭ ‬فقط،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬تشعر‭ ‬بالامتنان‭ ‬للباب‭ ‬ولنافذتك‭ ‬الصغيرة؛‭ ‬هذا‭ ‬الحاجز‭ ‬الخشبي‭ ‬والزجاجي‭ ‬الهشّ‭ ‬الذي‭ ‬يفصل‭ ‬بينك‭ ‬وبين‭ ‬عالم‭ ‬لا‭ ‬يهدأ؛‭ ‬إنّهما‭ ‬يمنحانك‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬“العودة‭ ‬إلى‭ ‬نفسك”،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تستعيد‭ ‬ترتيب‭ ‬نبضك‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬ينفجر‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬وجهك‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭.‬

هذه‭ ‬هي‭ ‬نعمة‭ ‬الأبواب‭ ‬والنوافذ‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬نفكّر‭ ‬يومًا‭ ‬في‭ ‬حقيقتها‭ ‬العميقة‭: ‬نعمةُ‭ ‬وجود‭ ‬مسافة‭ ‬فاصلة‮…‬‭ ‬حاجز‭ ‬لطيف‮…‬‭ ‬وقت‭ ‬قصير‭ ‬مُعافى‭ ‬من‭ ‬الضجيج‭... ‬إنّها‭ ‬الحدود‭ ‬الطبيعية‭ ‬التي‭ ‬خلقها‭ ‬الله‭ ‬حول‭ ‬الإنسان‭ ‬ليبقى‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬العيش‭ ‬بلا‭ ‬انهيار‭.‬

‭ ‬الضجيج‭ ‬المحدود‮…‬‭ ‬الذي‭ ‬نحسن‭ ‬التعامل‭ ‬معه

حين‭ ‬يستيقظ‭ ‬الإنسان،‭ ‬يـمُرُّ‭ ‬بممرات‭ ‬فيزيائية‭ ‬لطيفة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يدخل‭ ‬العالم‭:‬

يقظةٌ‭ ‬بطيئة،‭ ‬مُقَاوَمَةٌ‭ ‬لدفء‭ ‬الفراش،‭ ‬استحمام‭ ‬أو‭ ‬وضوء،‭ ‬تناول‭ ‬الفطور،‭ ‬فتح‭ ‬الباب،‭ ‬وبمجرد‭ ‬أن‭ ‬يغادر،‭ ‬يبدأ‭ ‬الضجيج‭:‬

ضوضاء‭ ‬الشوارع،‭ ‬زحمة‭ ‬الطرق،‭ ‬مكالمات‭ ‬العمل،‭ ‬احتكاك‭ ‬اليوم،‭ ‬توتر‭ ‬المواقف،‭ ‬صليل‭ ‬المهام‭ ... ‬هذا‭ ‬الضجيج‭  - ‬على‭ ‬قسوته‭ -  ‬ضجيجٌ‭ ‬محدود؛‭ ‬له‭ ‬مكان‮…‬‭ ‬له‭ ‬حدود‮…‬‭ ‬له‭ ‬بداية‭ ‬ونهاية‭.‬

هو‭ ‬ضجيجٌ‭ ‬عرفته‭ ‬البشرية‭ ‬منذ‭ ‬اختراع‭ ‬السُوقِ،‭ ‬وولادة‭ ‬المدن،‭ ‬وظهور‭ ‬العمل‭.‬

نعم‭ ‬هو‭ ‬ضجيجٌ‭ ‬يحوّل‭ ‬الإنسان‭ ‬إلى‭ ‬“ترس”‭ ‬في‭ ‬آلة‭  ‬المجتمع‭ ‬الدَّائرة،‭ ‬لكنه‭ ‬ترسٌ‭ ‬حيّ،‭ ‬له‭ ‬وظيفة،‭ ‬له‭ ‬دور،‭ ‬يتحرك‭ ‬ويُسهم،‭ ‬ومع‭ ‬الأيام‭  - ‬ورغم‭ ‬الإرهاق‭ -  ‬يتعلّم‭ ‬الإنسان‭ ‬كيف‭ ‬يصنع‭ ‬أبوابه‭:‬

يتجنب‭ ‬بعض‭ ‬الأشخاص،‭ ‬يتحاشى‭ ‬بعض‭ ‬الأماكن،‭ ‬يغير‭ ‬مكان‭ ‬إقامته،‭ ‬يحتسي‭ ‬كوب‭ ‬قهوة‭ ‬يمنحه‭ ‬هدنة‭...‬

الضجيج‭ ‬الجديد‮…‬‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬أبواب‭ ‬له‭ ‬ولا‭ ‬نوافذ‭:‬

لكنّنا‭ ‬اليوم‭ ‬نواجه‭ ‬ضجيجًا‭ ‬آخر‭: ‬ضجيجًا‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تحديد‭ ‬مساره‭ ‬وحدوده‮…‬‭ ‬ضجيجًا‭ ‬لا‭ ‬يمرّ‭ ‬عبر‭ ‬باب‮…‬‭ ‬ولا‭ ‬ينتظر‭ ‬أن‭ ‬تستيقظ‭ ‬وتستحم‭ ‬وتتناول‭ ‬فطورك‭ ‬وتخرج‮…‬

بل‭ ‬يقتحم‭ ‬عليك‭ ‬سكينتك‭ ‬وأنت‭ ‬ملقى‭ ‬على‭ ‬سريرك‭ ‬أو‭ ‬مسترخيًا‭ ‬على‭ ‬كرسيك‭! ‬إنّه‭ ‬ضجيج‭ ‬المواقع‭ ‬والتصفح‭: ‬لا‭ ‬يتطلب‭ ‬منك‭ ‬سوى‭ ‬أن‭ ‬تتناول‭ ‬الهاتف‭ ‬وفي‭ ‬لحظة‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬نبضة‭ ‬عين،‭ ‬يقتحم‭ ‬الضجيج،‭ ‬لا‭ ‬أقول‭ ‬ضجيج‭ ‬شارعك‭ ‬أو‭ ‬حيِّك‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬عائلتك،‭ ‬بل‭ ‬ضجيج‭ ‬الكوكب،‭ ‬يعبر‭ ‬في‭ ‬ثوان‭ ‬معدودة‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭:‬

بركان‭ ‬من‭ ‬المقاطع‭ ‬والأحداث؛‭ ‬من‭ ‬حادثة‭ ‬غريبة‭ ‬في‭ ‬سيبيريا،‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬حفلٍ‭ ‬صاخب‭ ‬في‭ ‬شيكاغو،‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬جدل‭ ‬سياسي‭ ‬في‭ ‬النرويج،‭ ‬ثم‭ ‬ينتهي‭ ‬إلى‭ ‬مقطع‭ ‬تافه‭ ‬لقطة‭ ‬تقفز‭ ‬أو‭ ‬فأرٍ‭ ‬يتسلل‭...‬

كل‭ ‬هذا‭ ‬وأنت‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬في‭ ‬مكانك‭ ‬لم‭ ‬تتحرك؛‭ ‬تعيش‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬زمنية‭ ‬خالية‭ ‬من‭ ‬النوافذ‭ ‬والأبواب‭.‬

حين‭ ‬تختفي‭ ‬الأبواب‭ ‬والنوافذ‮…‬‭ ‬ينهار‭ ‬البناء‭ ‬الاجتماعي

المجتمع‭ ‬بأسره‭ ‬قائمٌ‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ (‬بقوة‭ ‬الشد‭) ‬يُدار‭ ‬بسلاسل‭ ‬جرٍّ‭ ‬قوية،‭ ‬ولكل‭ ‬إنسان‭ ‬سلسلة‭ ‬جرّ‭ ‬داخل‭ ‬بنيته‭ ‬النفسية‭ ‬والاجتماعية‭.‬

الضجيج‭ ‬الواقعي‭ ‬نعم‭ ‬يحوّلك‭ ‬إلى‭ ‬ترسٍ‭ ‬منهك‭ ‬لكنك‭ ‬تحتلُّ‭ ‬موقعًا‭ ‬مهمًّا‭ ‬في‭ ‬مسئوليات‭ ‬الحياة،‭ ‬بينما‭ ‬الضجيج‭ ‬الرقمي‭ ‬وتصفح‭ ‬المواقع‭ ‬يحوّل‭ ‬سلسلة‭ ‬الجرِّ‭ ‬الخاصة‭ ‬بك‭ ‬إلى‭ ‬خرقة‭ ‬رخوة؛‭ ‬قطعة‭ ‬قماش‭ ‬لا‭ ‬تقوى‭ ‬على‭ ‬جر‭ ‬حِمْلٍ،‭ ‬وتصبح‭ ‬إنسانًا‭ ‬واهنًا‭ ‬لا‭ ‬تواجه‭ ‬مسؤولياتك،‭ ‬جسدُك‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬استراحة،‭ ‬وذهنُك‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬ترتيبًا،‭ ‬وروحك‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬سكونًا‭.‬

هذا‭ ‬النموذح‭: ‬حتى‭ ‬أبسط‭ ‬المعادلات‭ ‬الحياتية‭ ‬أصبحت‭ ‬عبئًا‭ ‬عليه؛‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬ترتيب‭ ‬فكرة،‭ ‬ولا‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬موقف‭ ‬بسيط،‭ ‬ولا‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرار،‭ ‬ولا‭ ‬تربية‭ ‬طفل،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬تأدية‭ ‬رسالة‭ ‬سامية،‭ ‬وتصبح‭ ‬الحياة‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬ردود‭ ‬الفعل‭ ‬المتوترة‮…‬

لا‭ ‬بناء‭ ‬فيها‭ ‬ولا‭ ‬اتزان‭.‬

الأبواب‭ ‬القديمة‭ ‬‮…‬‭ ‬والأبواب‭ ‬الجديدة

أبوابنا‭ ‬المادية‭ - ‬باب‭ ‬البيت‭ ‬والنوافذ‭ - ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬نعمة‭ ‬عظيمة،‭ ‬لكننا‭ ‬اليوم‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬أبواب‭ ‬ذهنية‭:‬

• بابٌ‭ ‬يغلق‭ ‬هاتفك‭ ‬بعد‭ ‬العاشرة‭.‬

• بابٌ‭ ‬يحظر‭ ‬دخول‭ ‬الضجيج‭ ‬إلى‭ ‬ساعة‭ ‬الفجر‭.‬

• بابٌ‭ ‬يمنح‭ ‬العقل‭ ‬فسحة‭ ‬قبل‭ ‬فتح‭ ‬العالم‭.‬

• بابٌ‭ ‬يُعيد‭ ‬الإنسان‭ ‬إلى‭ ‬حجمه‭ ‬الحقيقي‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يبتلعه‭ ‬الكون‭.‬

إنّ‭ ‬الضجيج‭ ‬الرقمي‭ ‬ليس‭ ‬خطرًا‭ ‬لأنه‭ ‬ضجيج…بل‭ ‬لأنه‭ ‬عابر‭ ‬للأبواب‭.‬

العودة‭ ‬إلى‭ ‬الداخل

الهاتف‭ ‬جعل‭ ‬العالم‭ ‬كله‭ ‬“جارًا‭ ‬مزعجًا”‭ ‬يأتي‭ ‬بصوته‭ ‬إلى‭ ‬فراشك،‭ ‬والعقل‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬تُغلق‭ ‬نوافذه‭ ‬سيظلّ‭ ‬يلهث‭ ‬بلا‭ ‬توقف‭.‬

ولن‭ ‬يكون‭ ‬الإنسان‭ ‬مسؤولًا‭ ‬ولا‭ ‬قويًا‭ ‬ولا‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬حمل‭ ‬رسالته‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬يعيش‭ ‬بلا‭ ‬أبواب‭.‬

الهروب‭ ‬من‭ ‬الضجيج‭ ‬–ولو‭ ‬دقائق–‭ ‬هو‭ ‬استعادة‭ ‬الإنسان‭ ‬لكرامته‭ ‬الداخلية‮…‬‭ ‬عودة‭ ‬صامتة‭ ‬إلى‭ ‬الذات‮…‬‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬سلسلة‭ ‬الجرّ‭ ‬التي‭ ‬بها‭ ‬ينهض‭ ‬البيت‭ ‬والمجتمع‭ ‬والروح‭.‬

img